ابن ميثم البحراني

332

شرح نهج البلاغة

القسم الأوّل : المحجوبون بمجرّد الظلمة وهؤلاء هم الملحدة الَّذين لا يؤمنون باللَّه وهم صنفان : فصنف منهم طلبوا للعالم سببا فأحالوه على الطبع وقد علمت أنّ الطبع صفة جسمانيّة مظلمة خالية عن المعرفة والإدراك ، وصنف منهم لم يتفرّغوا لذلك ولم يتنبّهوا الطلب السبب بل اشتغلوا بأنفسهم وعاشوا عيش البهايم فكانوا محجوبين بكدورات نفوسهم وشهواتهم المظلمة ولا ظلمة أشدّ من الهوى ولذلك قال اللَّه تعالى « أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ » ( 1 ) وقال النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الهوى أبغض إله عبد على وجه الأرض . وتحت هؤلاء فرق كثيرة لا حاجة إلى ذكرها . القسم الثاني : المحجوبون بنور مقرون بظلمة وهم ثلاثة أصناف : فصنف منهم منشأ ظلمته الحسّ ، وصنف منهم منشأها الخيال ، وصنف منهم منشأها مقايسات عقليّة فاسدة . فالأوّلون أيضا طوائف : الأولى : عبدة الأوثان فإنّهم علموا على سبيل الجملة أنّ لهم ربّا وأوجبوا إيثاره على أنفسهم واعتقدوا أنّه أعزّ وأنفس من كلّ شيء ، ولكنّهم حجبوا بظلمة الحسّ عن أن يتجاوزوا العالم المحسوس في إثبات ربّهم فاتّخذوا من أنفس الجواهر كالفضّة والذهب والياقوت أشخاصا مصوّرة بأحسن صورة وجعلوها آلهة فهؤلاء محجوبون بنور العزّ والجلال من صفات اللَّه لكنّهم وضعوها في الأجسام المحسوسة فصارت حجبهم أنوارا مكدّرة بظلمة الحسّ إذ الحسّ ظلمة بالإضافة إلى عالم المعقولات . الثانية : طائفة ترقّوا عن رتبة الأحجار فكانوا أدخل من عبدة الأوثان في ملاحظة الأنوار كما يحكى عن قوم من أقاصي الترك ليس لهم ملَّة ولكن يعتقدون أنّ لهم ربّا هو أجمل الأشياء فإذا رأو إنسانا في غاية الجمال أو فرسا أو شجرا عبدوه ، وقالوا : هو ربّنا فهؤلاء محجوبون بنور الجمال مع ظلمة الحسّ أيضا . الثالثة : طائفة ترقّوا عن هؤلاء وقالوا : ينبغي أن يكون الربّ نورانيّا في صورته ذا سلطان في نفسه مهيبا لا يطاق القرب منه ، ولم يترقّوا عن درجة المحسوس فعبدوا النار إذ وجدوها بهذه الصفات فهؤلاء محجوبون بنور السلطنة والبهاء وكلّ ذلك من

--> ( 1 ) 45 - 22 .